Quantcast

غياب الأخلاق مشكلة أمن قوم

Feb 9, 2016 by

Al-Maqal نشر في جريدة المقال اليومية في سبتمبر 2015 

“نعم، هذا عصر الأزمة الأخلاقية.. منهجك الأخلاقي قد وصل الي ذورته، الي نهايه حارته العمياء. وإذا كنت تريد البقاء علي قيد الحياة، ما تحتاج إليه ليس العودة لمنهجك الأخلاقي، بل لأعادة أكتشافه… علي مدي قرون من المصائب والكوارث التي حدثت بسبب منهجك، كنت تصيح أنه تم الأخلال به، أن تلك الأهوال حدثت لمعاقتنا علي الأنحراف عنه، أن ضعف وأنانية البشر هي التي دعت لأراقة الدماء. يا ملعون، يا ملعون الوجود، لقد حكمت أن تلعن تلك الأرض، ولم يجرؤ أبداٌ علي مراجعة منهجك… جعلت تصيح أنه منهج نبيل، ولكن الطبيعة البشرية لم ترتقي للجودة التي تتطلب ممارسته. ولم يتوقف أحد ليسأل السؤال: أهذا هو الخير؟ ما هو المعيار؟”

هذا المقطع من رواية “أصلس يستهجن” للكاتبة الروسية الأمريكية آين راند والتي نشرتها عام 1957. فلم تكن تفكر راند فينا عندما كتبتها. لم تكن تعرفنا ولم تقصدنا لأننا ببساطة لم تكن موجوين بهذا الشكل القبيح عندما بدأت كتابتها عام 1945. ولكن كلماتها اليوم لادعة كالملح في الجرح المفتوح. وتمسك مرآة أمامنا لنري فيها كل شئ نعرفه في اداناتها الحادة التي توجهها لكل عدميَ تخريبي يمجد الموت والشقاء والفناء قبل الحياة. من يعطي شرعية أخلاقية للعداء والأعتداء بالترسيخ للفرقة والأنفصالية والدمار من أجل البقاء علي بتروله وتعسفه وجهله وعناده، لكل شمولي ثيوقراطي طاغي يتسلطت علي عقول وضمائر البشر وحياتهم، فهي لم تقصدنا ولكننا علينا تحسس البطحة التي تعممنا وتتوجنا بخزيها طويلاً ومنعنا أنفسنا والأخرين من الأشارة إليها. فلم نعد نمتلك رفاهية أغفالها. تركناها تكبر حتي أصبحت البطحة التي علي رؤسنا خطر أمن قومي. فعقود من أنعدام الأخلاق وتشويهها جعلت من وطننا أرض خصبة لتوريد الموارد البشرية التي يحتاجها أي فكر تخريبي تدميري أو جماعات أرهابية منظمة أو غير منظمة. وهذا لأن كل النظريات والتشخصيات الطبية والفلسفية والدينية وتبريراتها التي سمعناها لتحليل أسباب أنعدام الأخلاق في مجتمعنا، تعد في أفضل أحوالها ناقصة، وفي أسؤ أحوالها متعمدة لأجل التصلت علينا متربعة علي عرش من الأشلاء حتي باتت مشكلة أنعدام الأخلاق كارثة أمن قومي تشكل تهديداً مباشر علي الدولة.

فالسؤال المتأخر، أهذا هو الخير؟ أجابته باطبع لا. هذا ليس هو الخير. لأن كل ما فعلناه لأكثر من نصف قرن لم يدر علينا بتقدم، ورخاء وحقوق وكرامة وسعادة وتقدم علمي، بل عكس كل ذلك.  إن الحلول والأفكار ومنظومة القيم السليمة العملية والعلمية تحمل اليات تنفيذها وتحقيقها وتطبيقها بنجاح. فهي ببساطة ماكينة تخرج قماش علي رأي فؤاد المهندس. أما الأفكار المجردة عن الواقع وتحاربه وتنفيه وتعاركه، هي بالقطع غير قابلة للتحقيق ولذلك لم تأتي غير بالقتل والدم الفقر والخراب والمرض والقبح والتلوث والحرب، وستظل غير متحققة. فلم نعد نمتلك رفاهية التدفئة بأوهامها التي أصبحت تهدد الأمن القومي بشكل مباشر. بل الواجب الوطني والأخلاقي يحتم رفضه بشجاعة ونبذ بكل التبريات التي تلوم طبيعة البشر. لأن إذا كان هناك فكر لايضع حقائق الطبيعة البشرية ضمن نسقه التطبيقي هو ببساطة إذن ليس للبشر. إذا كان هناك فكر ميتافيزيقي يتسبب في إبادة البشرـ إذن هو فكر غير صالح للأستخدام الأدمي ولا نتملك رفاهية تراخي وجبن عدم مواجهته.  

أما عن السؤال ما هو المعيار؟ هذا ينطبق علي تحديدنا للأهداف. فإذا هدف الفرد والحكومة والمجتمع  هو الفناء والتخريب، أم الرغبة في الأصلاح والوئام والحياة الكريمة. فإذا كان الهدف هو فناء الدولة المصرية وتشريد وقتل المصريين، إذن ليس هناك طريق أسرع وأبرع من الهرولة إليه، غير ببقاء الحال كما هو عليه وبذلك المنهج الفكري والتطبيقي الحالي بكل المحتكرين والمسلطين عليه والمنخرطين الرسميين فيه بكل قنابلهم الموقوته. أما إذا كانت الرغبة هي البقاء علي قيد الحياة فالمعيار الأخلاقي للحكم علي الخير والشر، هو حياة الأنسان وما يتاجه للأبقاء عليها.  وحيث أن المنطق المسبب هو الوسيلة الوحيدة التي يحيا بها الأنسان ويميزه عن باقي كائنات الأرض. فلذلك كل ما هو يأتي بحياة أمنه كريمة هو الخير، وكل ما ينفي ويعارض ويدمر ذلك، هو الشر. ولأ نحتاج شهادة دكتوراه في الفسلفة، أو في علم الاهوت المسيحي، أو أن نكون عالماء فقه أزهريين لنري أن كل ما حدث في سوريا والعراق والمنطة بأكملها هو شراً مبين.

إن التأرجح في منطقة رمادية حربائية متلونة تحت راية كالوسطية والأعتدال والذي مول العشرية السوداء في الجزائر، الحرب الأهلية في لبنان، سوريا، العراق، الهند، أفغانستان، باكستان والقاعدة وجبهة النصرة وبيت المقدس والأخوان والخ الخ الخ من قائمة المذابح التي تصدرتها رايات الوسطية والأعتدال حتي وصلت لعلم داعش الأسود. أصبحت كلها موجهة بعقولها المفخخة متوجه ناحية مصر التي خطت أول خطوة لتخرنا في 30 يونيو من تلك المعادلة. وإن كانت معايرنا الأخلاقية حقيقية شريفة أو طائفية متحزلقة، أو حتي طفولية بعميار الفسحة المدرسية، فإن الحقيقة هي أن الأرهاب يلف يلف ويعود لصاحبه. وكما يقول المثل الأمريكي، من فعلها معك، سيفعلها بك. من أرتكب جرائمه تاريخياً معنا، سيرتكبها فينا. لم تأتي ثورة 30 يونيو بوعود خالية أو شعارات جوفاء، بل أتت حاملة مرآة الحقيقية الصادمة. كشفت لنا فداحة أخطائنا، ولكنها كشفت أيضاً حقيقة أننا وحدنا. وكم نحن أقوي بمفردنا ولكن الأهم، هل نمتلك الشجاعة التي تطلب البقاء علي أستقلالنا خارج معادلة الأرهاب ؟ أم الخطوة الأولي وهي أقصي طموحنا؟

 

  • Ewis Badawy

    هل كشفت لك “ثورة ٣٠ يونيو” كم انت قاصرة النظر و فاقدة للرؤية